د حافظ أحمد عجاج الكرمي
105
الإدارة في عصر الرسول ( ص )
يجوز لنا أن نطلق عليه ( كتاب التعيين ) ، يطلب فيه من القبيلة أن تطيعه ولا تخالف أمره ، ويفترض أن جميع هذه القبائل التي بعثت وفودا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد ولي عليها النبي رجلا يدير أمرها ، وما ذكر سابقا يعطي صورة أولية عن وضع القبائل الأخرى في الجزيرة وعلى حدود فارس والروم . لقد كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يتخير أمراءه من الصحابة الذين اشتهروا بالعلم والكفاية والكفاءة والجاه والسلطان ولديهم المقدرة على بعث الإيمان في قلوب من يرسلون إليهم « 1 » ؛ لأن مهمة هؤلاء لم تكن إدارية فقط ، بل كانت مهمة دعوية تعليمية فهم يعلمون الناس الإسلام ويؤمونهم في الصلاة . لقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم في اختياره لهؤلاء الأمراء يغلب اعتبارات الكفاءة على اعتبارات السن أو الغنى أو غير ذلك . وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا يخضع لتأثير الضغوط ، لتغيب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة ، ويتضح هذا من عدة حوادث ، فهذا العباس ( ت 32 ه ) عم النبي صلّى اللّه عليه وسلم حين طلب أن يوليه ولاية قال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم بكل صراحة ووضوح : « يا عم رسول اللّه : سل اللّه العافية في الدنيا والآخرة » « 2 » وطلب رجل من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم عملا فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إنا لا نستعمل على عملنا من أراده » « 3 » ، وكذلك أجاب أبا ذر الغفاري ( ت 24 ه ) حين سأله قائلا : يا رسول اللّه ألا تستعملني ؟ قال : فضرب بيده على منكبي ، ثم قال : « يا أبا ذر إنك ضعيف ، وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقّها ، وأدّى الذي عليه فيها » « 4 » وفي رواية لمسلم ( ت 261 ه ) في الصحيح قال : « إني أراك ضعيفا ، وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمّرنّ على اثنين ، ولا تلينّ مال يتيم » « 5 » ، فرغم سبق أبي ذر في الإسلام ومكانته العظيمة التي عبر عنها النبي صلّى اللّه عليه وسلم بقوله : « ما أقلت الغبراء وما أظلت الخضراء رجلا أصدق
--> ( 1 ) انظر : محمد كرد علي ، الإدارة الإسلامية ( ص 12 ) . ( 2 ) الألباني ، محمد ناصر الدين ، سلسلة الأحاديث الصحيحة ، صحيح الجامع الصغير وزيادته ، دمشق ، المكتب الإسلامي ( 1972 م ) ، ( ج 6 ، ص 295 ) . ( 3 ) البخاري ، الصحيح ( ج 3 ، ص 115 ) . مسلم ، الصحيح ( ج 3 ، ص 1456 ) . أحمد ، المسند ( ج 4 ، ص 409 ) . أبو داود ، السنن ( ج 4 ، ص 9 ) . ( 4 ) أحمد ، المسند ( ج 5 ، ص 173 ) . مسلم بشرح النووي ( ج 12 ، ص 210 ) . ( 5 ) مسلم بشرح النووي ( ج 12 ، ص 218 ، 219 ) .